عام ونصف من القتل والتعتيم.. غزة شاهدة على الحرب الأكثر دموية ضد الصحفيين

الأراضي الفلسطينية- بينما يدخل العدوان الإسرائيلي على غزة شهره التاسع عشر، يتكشف بُعد جديد لهذه الحرب: استهداف الصحافة بشكل غير مسبوق ما أدى إلى قتل أكثر من 200 صحفيا فلسطينيا في صراع وُصف بأنه “الأكثر فتكًا بالصحفيين في التاريخ الحديث”.

منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واجه الصحفيون في القطاع مخاطر قاتلة أثناء محاولتهم نقل الحقيقة من أرض الواقع، في ظروف تُصنَّف بموجب القانون الدولي كـ”جرائم حرب” و”جرائم ضد الإنسانية”.

وبينما دُمرت مقرات وسائل الإعلام، وقطعت الاتصالات، وقطعت الكهرباء، وفرضت قيود على دخول الصحافة الأجنبية، واصل الصحفيون الفلسطينيون أداء مهامهم رغم اتهامات متزايدة لإسرائيل بشنّ “حرب ممنهجة على الصحافة”.

ووفقًا لمتابعة مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين (PJPC)، فقد قُتل حوالي 70 صحفيًا أثناء تأدية مهامهم في الميدان، وذلك في هجمات لم تكن عشوائية، بل استهدفت صحفيين معروفين ومؤسسات إعلامية بشكل مباشر.

الصحفي وائل الحلبي، مراسل قناة TRT عربي، تحدث لـ(PJPC) قائلًا: “في السابق كنت أعمل صحفيًا رياضيًا، لكن هذه الحرب جعلتني شاهدًا مباشرًا على إبادة جماعية. رغم القصف ونقص المعدات، واصلت العمل لإيصال الحقيقة”.

أما الإعلامي الفلسطيني هاني المغاري، فأكد أن “استهداف الصحفيين لم يكن عارضًا”، وأضاف: “الاحتلال وضعنا كأهداف مشروعة لصواريخه. فقدت أكثر من 22 فردًا من عائلتي في الأيام الأولى للعدوان، ومع ذلك لم أتوقف عن التغطية”.

من جهته، وصف الصحفي أسامة الكحلوت، مراسل قناة العربية، تجربته الميدانية بأنها “زادته قوة وخبرة، لكنها محفوفة بالمخاطر”. وقال “نحن نعيش في محرقة، وكل دول العالم لم تتمكن من وقف هذه الحرب. رغم ذلك، ساهمت التغطية الإعلامية في تعزيز التضامن العالمي مع القضية الفلسطينية”.

في حقل ألغام

من أبرز التحديات التي يواجهها الصحفيون في غزة، كما يروي الكحلوت، هو العمل من مناطق تُعد أهدافًا مباشرة للغارات الجوية.
ويقول “قد تكون في خيمة، أو قرب مركبة، أو مع مدني، وفجأة يتم استهداف المكان. تشعر وكأنك في حقل ألغام. تحمل روحك على كفك وتحاول نقل الصورة بأي وسيلة متاحة”.
ويضيف أن نقص معدات السلامة المهنية والتصوير يزيد من تعقيد المهمة: “نستخدم ما هو متوفر فقط، ومع ذلك نحرص على إيصال الصورة من وسط غزة إلى العالم”.
رغم شدة الضغوط النفسية، يرى الكحلوت أن الدافع الأكبر للاستمرار هو العائلة. ويقول “الوضع النفسي صعب جدًا، ولا يوجد أي دعم نفسي، لكن أطفالنا هم من يعطوننا القوة”.
ويتابع: “نعود إلى البيت لفترات قصيرة فقط لرؤية أبنائنا وتناول الطعام، ثم نرجع للميدان”.
ورغم الخطر الدائم من القصف والتهديدات، يرى أن التغطية الإعلامية حققت انتشارًا عالميًا، وإن كانت آثارها لم تنعكس بعد على الأرض.

نقطة تحوّل في مسار التغطية

حوّل القصف المتواصل ونقص الوقود وخطر الاستهداف، خيامًا صغيرة إلى غرف أخبار متنقلة، يعمل ويبيت فيها الصحفيون.
يقول المغاري: “لا يمكن الفصل بين حياتنا المهنية والشخصية بعد الآن. نعيش حياتنا كاملة داخل أماكن العمل، حتى الخيام التي نعمل بها معرضة للقصف. طفلي زين الدين، الذي وُلد في بداية الحرب، لم أره سوى 6 مرات خلال تسعة أشهر”.
ويؤكد الصحفيون أن الاستمرار في التغطية رغم المخاطر كان بمثابة فعل مقاومة.
يقول وائل الحلبي: “الصحفي في غزة يعلم أنه مستهدف سواء واصل العمل أو توقف، لذلك لم يكن التراجع خيارًا”.
ويرى أن التغطية الفلسطينية، رغم قسوتها، أثمرت وعيًا شعبيًا عالميًا متزايدًا: “بدأ الشارع الغربي يرى الرواية الفلسطينية بعيون مختلفة، لكن على المستوى الرسمي، لم تتحقق خطوات حقيقية لوقف المجازر”.
أما طارق الدرهلي، المحرر في وكالة “صفا”، فكان يتنقل بين أماكن النزوح لتأمين الاتصال بالإنترنت، مواصلًا عمله رغم فقدانه عددًا من زملائه.
يقول الدرهلي لـ(PJPC) “العمل تحت هذه الظروف لم يكن مهنيًا فقط، بل إنسانيًا وأخلاقيًا”.
ويضيف “كل مقطع فيديو التقطناه وكتبنا عنه خبرًا هو دليل موثق على جرائم الإبادة. نعمل تحت القصف كي لا تُمحى الحقيقة”.

توثيق الانتهاكات.. مهمة لأجل المستقبل

يرى الصحفيون أن دورهم تجاوز نقل الأخبار إلى توثيق جرائم الحرب، ليكون ذلك مرجعًا للأجيال المقبلة.
“الصورة والكلمة هما الصوت الوحيد وسط صمت العالم”، يقول المغاري.
“هذه الشهادات ستبقى حيّة، وستكون مادة أرشيفية توثّق ما جرى في غزة”.
ورغم القيود التقنية والخوارزميات التي تقمع المحتوى الفلسطيني، شكلت وسائل التواصل الاجتماعي نافذة بديلة.
يقول الحلبي: “أثبتت السوشيال ميديا أنها منصة قوية، خاصة في ظل غياب الصحافة الدولية. أصبحت وسيلتنا لكسر الحصار الإعلامي”.
لكن، ورغم حجم المأساة، لم يتلقَ الصحفيون أي دعم نفسي أو مهني بعد انتهاء التغطية. “كل ما واجهناه تعاملنا معه فرديًا”، يقول المغاري.
ويختم بقوله: “لم يغادر أحد الميدان. استشهد الزملاء، لكنهم سلّموا الراية لمن بعدهم. إنها مسؤولية جماعية. هذه الحرب غيّرت كل شيء، حتى نظرتنا للصحافة نفسها”.
ما يجري في غزة ليس فقط حربًا على الصحفيين، بل على الحق في التغطية الإعلامية ونشر المعلومات، ورغم إدراكهم أنهم قد يكونوا الضحية التالية، يواصل الصحفيون الفلسطينيون عملهم كـ”حراس أخيرين للحقيقة”.