غزة في اليوم العالمي لحرية الصحافة: الكاميرا هدف عسكري وشهادة حية على الجريمة

الأراضي الفلسطينية- بينما يحتفل العالم في الثالث من مايو باليوم العالمي لحرية الصحافة، مُستذكرًا أهمية الكلمة الحرة ودور الصحفيين في نقل الحقيقة، يعيش صحفيو قطاع غزة واقعًا مختلفًا كليًا، تتقدمه الجنازات بدل الاحتفالات، ويُصاغ بمداد الدم والركام لا بأحبار التكريم.

فمنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وثق مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين  (PJPC)، تحوّل مهنة الصحافة في غزة إلى مهمة شديدة الخطورة؛ حيث قُتل أكثر من 210 صحفيين وصحفيات، وأُصيب العشرات، وتعرضت المؤسسات الإعلامية للقصف والدمار المنهجي.

كما لا يزال 55 إعلاميًا فلسطينيًا قيد الاعتقال في سجون الاحتلال، دون تهم واضحة أو محاكمات عادلة، وفق ما توثقه منظمات حقوقية ومصادر رسمية.

 

استهداف منهجي لإسكات الصوت الفلسطيني

تشير شهادات ميدانية إلى أن استهداف الصحفيين الفلسطينيين من قبل القوات الإسرائيلية لا يتم بشكل عشوائي، بل يأتي ضمن سياسة تهدف إلى إسكات الرواية الفلسطينية ومنع توثيق الانتهاكات.

الصحفي أمين خالد بركة، من خان يونس، اعتُقل مطلع عام 2024، وتعرض لتعذيب ممنهج خلال احتجازه في سجن “عوفر” الإسرائيلي، واصفًا إياه بـ”قطعة من جهنم”.

ويقول بركة: “كانوا يحققون معي بسبب عملي الصحفي، ويوبخونني لأنني أُظهر معاناة شعبي ولا أتبنى روايتهم”.

وقد حمّل بركة سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن الانتهاكات الجسيمة بحق الإعلاميين، داعيًا الاتحاد الدولي للصحفيين، ومنظمة اليونسكو، وسائر الجهات المعنية بحرية الصحافة إلى التحرك العاجل، تطبيقًا لقرار مجلس الأمن رقم 1738، الذي يؤكد على حماية الصحفيين أثناء النزاعات المسلحة.

 

ثمن إنساني فادح

قصص أخرى تكشف حجم الكلفة الإنسانية التي يدفعها الصحفيون. فقد خسر الصحفي محمود صباح 21 فردًا من عائلته إثر قصف استهدف منزله في مخيم جباليا، وقال: “ظننت أن القصف طال منزل الجيران، لكنني وجدت منزلي قد تهاوى على رؤوس أحبتي”.

كما روى اللحظات الأخيرة لزميله إسماعيل الغول الذي استُشهد بعد دقائق من التقاط صورة له، مؤكدًا أنها كانت “الصورة الأخيرة”.

من جهته، انتقد الصحفي محمد أحمد صمت المؤسسات الدولية تجاه معاناة الإعلاميين، مشيرًا إلى أن شقيقه المصوّر لا يزال معتقلًا منذ نهاية 2024، دون معلومات عن مكانه أو حالته.

وأضاف: “نغطي الحرب بخوذات وسترات ممزقة منذ أكثر من عام ونصف، دون أن تصلنا أي معدات سلامة أو دعم نفسي أو تقني”.

 

حين تصبح الكاميرا أخطر من السلاح

رغم خسارتها لوالدها في إحدى الغارات، تواصل الكاتبة والمخرجة إسراء طارق الرملي عملها الميداني في توثيق الجرائم والانتهاكات.

وتقول: “الصحافة هنا ليست مجرد مهنة، إنها أمانة في وجه الموت”، مؤكدة أن الحفاظ على الحياد المهني وسط مشاهد الحرب والمجازر يمثل تحديًا يوميًا.

وتضيف: “نحن لا نحمل سوى الكاميرا والقلم، ومع ذلك نصبح أهدافًا عسكرية”.

 

إصابات بلا علاج

الصحفي سامي شحادة، مصوّر قناة TRT التركية، أُصيب إصابة بالغة في أبريل/نيسان 2024 إثر غارة إسرائيلية على مخيم النصيرات أدت إلى بتر ساقه اليمنى وإصابته بشظايا في يده.

ولا يزال شحادة يعاني من آلام مستمرة نتيجة الشظايا، وسط غياب الرعاية الصحية في مستشفيات غزة، ومنع الاحتلال سفره لتلقي العلاج.

ويقول: “أعيش في خيمة مع زوجتي وطفلتيّ بعد تدمير منزلي. حلمي الوحيد اليوم هو العلاج وتركيب طرف صناعي، ثم العودة إلى الميدان لنقل الحقيقة”.

 

دعوة لإنهاء الإفلات من العقاب

يؤكد مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين (PJPC)، أن الانتهاكات الإسرائيلية بحق الإعلاميين ترقى إلى جرائم حرب، بموجب القانون الدولي الإنساني.

ويطالب المركز المجتمع الدولي ومؤسساته الحقوقية والإعلامية بالتحرك الفوري لتفعيل آليات المساءلة، ووقف سياسة الإفلات من العقاب، بما يتوافق مع التزامات القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان.

في غزة، لا يقتصر دور الصحفي على التوثيق، بل يتحوّل إلى شاهد وضحية في آنٍ واحد. ورغم انهيار البنية الإعلامية، واستهداف الكاميرا كأنها سلاح، يبقى الصوت الحر أملًا أخيرًا لكشف الحقيقة، ودرعًا في وجه النسيان.