الصحفي ممدوح قنيطة: واجه القصف بالكاميرا والصلاة والحقيقة

عندما قرّر الصحفي ممدوح قنيطة البقاء في شمال غزة، رغم القصف وأوامر الإخلاء، كان يدرك أن قراره قد يكلّفه حياته. لكنه، كما تقول زوجته، “لم يكن مستعدًا للتخلي عن الكاميرا أو عن قلمه”.

في مستشفى الأهلي وسط مدينة غزة، حيث احتمى كثيرون من نيران الحرب، أدّى قنيطة (42 عامًا) صلاة العصر، قبل أن تطلق طائرة إسرائيلية مسيّرة رصاصة أنهت حياته، في 30 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

تقول زوجته إيناس لـ(PJPC): “لم يكن يحمل سلاحًا. لم يكن يقاتل. فقط كان يصلي”.

ولم تكن تلك المرة الأولى التي يتعرض فيها للخطر. فقد وثّقت عائلته نجاته سابقًا من حصار استمر لساعات في مستشفى الشفاء، حيث جُرّد من ملابسه وتعرض للاعتداء، لكنه عاد بعدها ليكتب ويوثق، وفق ما تروي زوجته.

على مدى سنوات، عمل قنيطة محررًا، ومنسق أخبار، وكاتب تقارير في قناة الأقصى الفضائية. لم يظهر كثيرًا على الشاشة، لكن تقاريره وقصصه كانت تصل. اسمه كان حاضرًا في غرف الأخبار والميدان، خاصة حين تشتد الحرب.

تقول زوجته: “خاض كل الحروب، منذ عام 2008 وحتى هذه الحرب، ولم يتوقف عن التغطية يومًا. كان يرى أن نقل الحقيقة ليس مجرد عمل، بل التزام تجاه الناس، وتجاه الأطفال الذين يُقتلون بلا سبب”.

في يوم استشهاده، كانت ابنته جنى تنتظره في بيت العائلة الصغير. وعدها بأن يعود ليحتفل معها بعيد ميلادها. كانت تنتظر قالب الحلوى، لكنه لم يصل. جاءها خبر استشهاده عبر اتصال هاتفي من زوجة أحد الأقارب.

لم تكن حياة قنيطة سهلة. في ظل الحصار والانقطاع المتكرر للكهرباء ونقص الطعام، عاش صراعًا يوميًا بين البقاء إلى جانب أسرته، ومواصلة عمله في تغطية المجازر والانتهاكات. لكنه اختار الطريق الأصعب.

تقول إيناس: “كنا نعرف أنه قد لا يعود، لكنه كان يكرر دائمًا: إذا لم نوثّق، من سيفعل؟ إذا سكتنا، من سيتكلم؟ الصحافة في غزة ليست مهنة… إنها مقاومة من نوع آخر”.

ترك ممدوح قنيطة خلفه خمسة أطفال، وزملاء مصدومين، ودفاتر لم تكتمل. لكنه ترك أيضًا أثرًا لدى كثيرين ممن قرأوا تقاريره، أو تابعوا صوره، أو وجدوا في كلماته صوتًا لهم.

وفي بلدٍ تحوّل فيه الصحفيون إلى أهداف، باتت قصته واحدة من عشرات القصص لصحفيين ضحوا بحياتهم من أجل إيصال الحقيقة إلى العالم.

تختتم زوجته بالقول: “الاحتلال لم يقتل إنسانًا فقط، بل حاول أن يقتل الصوت والصورة والذاكرة. لكننا سنواصل… من أجل ممدوح، ومن أجل كل من اختار أن يحمل الكاميرا بدل البندقية”.