في زوايا الدمار المترامية بمخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، كان محمد عطا الله يلتقط أنفاسه بين لقطة وأخرى، فيما كانت كاميرته توثق ما لا تقدر الكلمات على وصفه: دخانٌ يملأ السماء، صراخ أطفال، ووجوه تائهة تبحث عن مأوى تحت نيران القصف. لم يكن يحمل سلاحًا سوى عدسته، وكان أمله واحدًا: “أن تصل الرسالة.”
لكن رسالته الأخيرة لم تكن تقريرًا صحفيًا، بل صورة مؤلمة لجسده تحت الأنقاض، إلى جانب 17 فردًا من عائلته، بينهم أطفاله. ففي صباح 29 يناير/كانون الثاني 2024، استهدفت غارة جوية إسرائيلية منزلًا كان يتحصن فيه عطا الله مع عائلته في مخيم الشاطئ، فاستُشهد على الفور. وحدها زوجته، إسراء، التي كانت حاملًا في شهرها الأخير، انتُشلت من تحت الركام حيّة، لتبقى الشاهدة الوحيدة على المجزرة، وتحمل لاحقًا طفلتها “آلاء”، التي اختار لها محمد الاسم قبل أن يُغيّبه القصف.
صحفي حتى الرمق الأخير
عطا الله، البالغ من العمر 33 عامًا، عمل محررًا في صحيفة “الرسالة” المحلية، ومراسلًا لموقع “رصيف22” اللبناني.
ورغم انقطاع الإنترنت وتزايد المخاطر، واصل تغطيته الميدانية من شمال قطاع غزة، موثقًا معاناة المدنيين تحت القصف. وقبل أيام من استشهاده، قال لزوجته: “هذه الرسالة التي وعدنا شعبنا بها لنُوصلها”، في تأكيد على تمسكه بدوره كصحفي وإنسان.
زوجته الناجية، إسراء، تروي لـ(PJPC) لحظات الانهيار: “استخرجوني من تحت الركام، وكل ذكرياتي ماتت معه. كان يخاف علينا من القهر، يشاركني كل تفاصيل الحياة، حتى أعمال المنزل. لم يكن فقط زوجي، بل سندي وكل عالمي.”
لم يكن محمد مجرد ناقلٍ للأخبار، بل كان ناشطًا مجتمعيًا ومتطوعًا في مراكز تحفيظ القرآن الكريم، وشارك في مبادرات لرسم البسمة على وجوه الأطفال في المساجد ومراكز الإيواء. كان يحلم بإعادة بناء منزله الذي دمره الاحتلال سابقًا شمال القطاع، وكان ينتظر لحظة لمّ الشمل مع والديه العالقين في الجنوب. لكن صواريخ الحرب قطعت عليه الحلم.
استهداف ممنهج للصحفيين
وفقًا لمركز حماية الصحفيين الفلسطينيين (PJPC) ومنظمات دولية، يُعد استشهاد عطا الله جزءًا من نمط ممنهج لاستهداف العاملين في الحقل الإعلامي. وتفيد إحصائيات فلسطينية رسمية بمقتل أكثر من 220 صحفيًا فلسطينيًا منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهي حصيلة تُعد الأعلى في تاريخ النزاعات الحديثة.
تقول إسراء: “الاحتلال يتعمّد قتل الصحفيين، لأنه لا يريد أن تُكشف جرائمه أمام العالم.”
رغم استشهاده، ترك عطا الله وراءه إرثًا من الصور والشهادات والكلمات التي تواصل رواية حكاية غزة، وصراعها المستمر للبقاء. وبينما وُلدت “آلاء” يتيمة، فإنها تحمل في اسمها قصة والدٍ حمل قلمه وعدسته حتى الرمق الأخير، ليبقى شاهدًا حيًّا على واحدة من أكثر فصول الحرب فتكًا بالمدنيين والإعلاميين في العصر الحديث.



