الكاميرا لم تسقط.. علي نسمان حيّ في الذاكرة

بين ركام المنازل المحطمة في حي الصفطاوي شمال قطاع غزة، سقط صوتٌ آخر من أصوات الحقيقة. في صباح 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، استُشهد الإعلامي والفنان الفلسطيني الساخر علي نسمان، إثر قصف إسرائيلي استهدف المنطقة أثناء توثيقه مشاهد من دمار الحرب. لم يكن يحمل سلاحًا؛ كانت عدسته كلمته، وكانت الكلمة سلاحه.

كان علي نسمان (36 عامًا) معروفًا في الأوساط الإعلامية والفنية بغزة كصوت جريء في مواجهة الاحتلال، وواحدًا من أوائل من استخدموا الفن الساخر باللغة العبرية في فضح السياسات الإسرائيلية، مخاطبًا جمهور الاحتلال بلغته.

“لا أستطيع أن أحمل سلاحًا، لكن أستطيع أن أتكلم”، قالها مرارًا في مقاطع مصوّرة وثّق خلالها المآسي اليومية للسكان المدنيين في القطاع.

 

من الفن إلى الصحافة الميدانية

قبل أن يتحول إلى توثيق المجازر، بدأ نسمان مشواره كفنان مسرحي ومخرج، وشارك في أعمال فلسطينية بارزة مثل فدائي، الروح، وبوابة السماء. كما جسّد شخصية الأسير محمود العارضة في مسلسل أسرى جلبوع، مؤديًا دورًا أثار اهتمامًا واسعًا بقضية الأسرى الفلسطينيين.

لم يكن نسمان صحفيًا تقليديًا؛ فبصفته مستقلاً وغير منتمٍ لأي مؤسسة إعلامية، كان يظهر في مقاطع قصيرة عبر الإنترنت من إنتاجه الشخصي، حاملاً كاميرته من الأزقة إلى مراكز الإيواء. وخلال الحرب الأخيرة، أطلق سلسلتين رقميتين: “وشوشة الليل” التي بثّ من خلالها رسائل أمل، و”حديث الصباح” التي وثّق فيها شهادات من قلب العدوان.

“كان يهرع لإسعاف الجرحى، يحملهم على كتفيه، ويواصل التصوير”، تقول زوجته خلود، التي ودّعته في صباح استشهاده حين قال لها: “سأذهب الآن وسألتقي بالحور العين.”

 

اغتيال موثَّق ورسالة مفتوحة

استُهدف علي نسمان خلال العدوان الإسرائيلي في سياق عملية “طوفان الأقصى”، إثر قصف مباشر على منزله شمال القطاع. وكان قد نشر قبل استشهاده بساعات مقطعًا مصوّرًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أدان فيه قصف إسرائيل للمدنيين في غزة.

في تعليق لـمركز حماية الصحفيين الفلسطينيين (PJPC)، جاء أن: “استهداف صحفيين ميدانيين لمجرد توثيقهم لانتهاكات الاحتلال يُعدّ انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، ويستوجب محاسبة الجناة.”

وأشار المركز إلى أن نسمان “واحد من بين 220 صحفيًا فلسطينيًا قتلهم جيش الاحتلال في غزة منذ بدء الحرب، في نمط متكرر من الاستهداف المتعمد للعاملين في الإعلام.”

وأضاف أن استهداف الصحفيين والمدنيين العُزّل أثناء تغطيتهم الميدانية يرقى إلى “جريمة إبادة ممنهجة”، وفقًا للمادة الثامنة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

 

إرث لا يُمحى

لم يكن نسمان إعلاميًا فحسب. فقد أسّس فرقًا تربوية وفنية للأطفال، مثل “دوما” و”مرح”، وساهم في برامج الدعم النفسي خلال سنوات الحصار المتواصلة والحروب المتكررة. كما عمل في المركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات، مشاركًا في مشاريع توعوية موجهة للشباب.

ترك خلفه ثلاثة أطفال، أحدهم — الحسن — لا يزال يردد كل ليلة دعاءً كان والده يلقّنه له: “ولدٌ صالحٌ يدعو له.”

رحيله شكّل صدمة في الأوساط الصحفية والفنية بغزة. فقد كان رمزًا للثبات، وشاهدًا على مجازر تُرتكب في وضح النهار، في زمن تُستباح فيه الكلمة كما تُستباح الأجساد.

“قد يُقتل الجسد، لكن تبقى الكلمة”، كتبها علي نسمان ذات يوم على حسابه الشخصي. واليوم، وبعد استشهاده، لا تزال كلماته تشق طريقها في عالمٍ يحاول فيه كثيرون إسكات الحقيقة بالصواريخ.