غزة – لا يحتاج الصحفيون في غزة إلى مقدمات مطوّلة لتوصيف الجوع حين يتحول إلى واقع يومي قاسٍ. فالصحفي أحمد غانم، مراسل قناة الميادين، يعبّر عن تجربته بالقول: “كأنك تسير كل يوم نحو الهاوية، لكنك لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء”.
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، يعيش صحفيو القطاع إحدى أكثر الفترات دموية وخطورة في تاريخ العمل الصحفي.
ووثق مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين (PJPC)، تجاوز عدد الصحفيين الذين قُتلوا في غزة منذ بداية الحرب 230 صحفيًا وصحفية، وهو رقم غير مسبوق في النزاعات الحديثة.
وتشير منظمات حقوقية دولية، مثل لجنة حماية الصحفيين ومراسلون بلا حدود، إلى أن استهداف الإعلاميين يتم بشكل مباشر وممنهج، في مخالفة واضحة للقانون الدولي الإنساني، الذي ينص على حماية الصحفيين باعتبارهم مدنيين خلال النزاعات المسلحة.
لكن العنف الجسدي ليس وحده ما يهدد حياة الصحفيين. إذ تشير شهادات ميدانية إلى استخدام التجويع كأداة ضغط وانتهاك إضافي، في ظل انهيار شامل في سلاسل الإمداد الغذائي واستمرار الحصار، ما يضاعف المخاطر التي يتعرض لها الإعلاميون أثناء تأدية مهامهم.
الصحفي أحمد غانم، شأنه شأن العشرات من زملائه، يعاني من تراجع الوضع الغذائي والصحي، ما يؤثر بشكل مباشر على قدرتهم الجسدية والذهنية في تغطية الأحداث.
“الجوع هنا ليس مجرد إحساس جسدي”، يقول غانم، “بل هو فقدان تدريجي للتركيز والطاقة والكرامة المهنية”.
ويضيف أن العديد من الصحفيين يعملون دون طعام أو ماء لساعات طويلة، في ظل غياب أماكن آمنة أو مرافق تغذية أو استراحة مناسبة، بينما تستمر الغارات والانتهاكات.
وتؤكد المادة (14) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف أن “تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب محظور”، ويُعد أي منع متعمد لوصول المساعدات الإنسانية جريمة حرب بموجب القانون الدولي.
حين سُئل أحمد غانم عن أكثر ما يفتقده، لم يذكر الراحة أو الأمان، بل أشار إلى تفاصيل يومية باتت بعيدة المنال: كوب شاي دافئ، أو صوت ضحكة ابنته، أو رائحة الخبز في الصباح. ويقول: “أفتقد أن أكون صحفيًا يؤدي عمله بكامل طاقته، لا أن أجرّ جسدي المنهك بصعوبة”.
ورغم ذلك، لا يزال غانم يعمل على توثيق ما يراه: “كل صورة تُلتقط، وكل شهادة تُسجل، هي وثيقة إضافية في سجل الذاكرة الجماعية، ودليل حي على ما يتعرض له المدنيون في غزة، بمن فيهم الصحفيون”.
الصحفي صامد أبو ظريفة (32 عامًا)، مراسل قناة CBN الأميركية، يصف حاله بالقول: “فقدت عدة كيلوجرامات من وزني بفعل الجوع والخطر اليومي. أقضي وقتي بين متابعة القصص، وإصلاح المعدات التي لا يمكن تعويضها، ومحاولات الحصول على وجبة بسيطة”.
ويقول الصحفي إبراهيم قنن (52 عامًا)، مراسل قناة الغد الإخبارية: “نُستهدف بصفتنا صحفيين، واليوم نُحاصر بالجوع. الأسواق خالية من معظم السلع، والأسعار مرتفعة إلى حد غير مسبوق”.
ويضيف: “كمسؤول عن أسرة، لم تعد أبسط الاحتياجات مثل الطعام والماء مضمونة، والانتقال بين مواقع التغطية بات تحديًا وجوديًا”.
وعلى الرغم من المخاطر والتحديات، لا يتلقى الصحفيون دعمًا ميدانيًا ملموسًا من المنظمات الإنسانية والحقوقية، وهو ما وصفه الصحفي أحمد غانم بـ”الغياب الفعلي رغم كثافة البيانات الإعلامية”.
ويعد هذا الغياب إخلالًا بالالتزامات الدولية، خاصةً في ضوء قرار مجلس الأمن رقم 2222 لعام 2015، والذي يشدد على ضرورة حماية الصحفيين أثناء النزاعات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية لهم.
يدعو مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين المنظمات الدولية المعنية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، إلى اتخاذ خطوات عملية لضمان حماية الإعلاميين في غزة، بما يشمل:
تسهيل إيصال الغذاء والماء للصحفيين الميدانيين.
توفير أماكن آمنة لممارسة العمل الإعلامي.
ضمان محاسبة الأطراف التي تمارس التجويع الممنهج أو تعيق العمل الصحفي.
فالصحفيون في غزة لا يؤدون مهامهم في ظروف عادية، بل في بيئة يُجرّم فيها نقل الحقيقة. إن ضمان سلامتهم وكرامتهم المهنية هو مسؤولية جماعية لا يجوز التخلي عنها.



