في صباح الخامس والعشرين من أغسطس/آب 2025، خرج المصوّر الصحفي حسام المصري من منزله في خان يونس مبتسمًا، مطمئنًا زوجته المريضة وأطفاله الثلاثة بقوله: “لا تقلقوا.. سأعود سريعًا”. لكن عودته لم تتحقق. بعد ساعات، كان جسده ممددًا أمام مستشفى ناصر إثر غارة إسرائيلية استهدفته بينما كان يوثّق بكاميرته يومًا جديدًا من الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ 23 شهرًا.
حسام، البالغ من العمر 51 عامًا، لم يكن مجرد متعاقد مع وكالة “رويترز”. فقد كان أبًا لثلاثة أطفال وزوجًا يرافق زوجته التي تعاني من مرض جلدي نادر. كان يصف الكاميرا بأنها “وسيلة للدفاع عن الحق”، ويرى في الصورة شهادة باقية على ما يحدث.
ورغم صعوبة ظروفه المعيشية، ظلّ يمارس عمله كمصور ميداني متنقّل بين مواقع القصف، فيما كان يبحث في الوقت ذاته عن دواء لزوجته دون جدوى.
اللحظة التي غيّرت كل شيء
في ذلك الصباح، صعد حسام إلى سطح المستشفى لتوثيق مشاهد الدمار في خان يونس. دوّى انفجار هائل تبعه صاروخ ثانٍ أصاب المكان مباشرة. عُثر على كاميرته ملطخة بالدماء، شاهدة على لحظاته الأخيرة.
شقيقه عز الدين، وهو صحفي أيضًا، قال: “منذ بداية الحرب لم نفترق في التغطيات. تأخرت دقائق ذلك اليوم، وعندما وصلت كان الانفجار الأول قد وقع. بحثت عنه في كل مكان داخل المستشفى وحتى في ثلاجة الموتى. وبعد ساعات، رأيت جثمانه محمولًا على أكتاف شبان”.
وأضاف لـ(PJPC): “كان حسام مسؤولًا عن معظم بث رويترز المباشر من مستشفى ناصر. عند استهدافه، تعطلت الكاميرا وأجهزة البث. الدم اختلط بالعدسة، وكان العالم يشاهد لحظة القصف مباشرة”.
استهداف لا يمكن تبريره
مقتل حسام لم يكن حالة معزولة؛ فقد قُتل أكثر من 248 صحفيًا فلسطينيًا منذ اندلاع الحرب، في واحدة من أكثر موجات استهداف الصحافة دموية في العصر الحديث.
منظمات حقوقية وصفت قصف مستشفى ناصر بأنه “جريمة حرب مضاعفة”، إذ استهدف المرضى والأطباء والصحفيين معًا. ويؤكد خبراء قانونيون أن القانون الدولي الإنساني ينصّ على أن الصحفيين يُعاملون كمدنيين يجب حمايتهم، وأن ضرب المستشفيات يمثّل انتهاكًا صريحًا لاتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
إرث الصورة
رغم رحيله، بقيت صور حسام: أطفال يبتسمون وسط النزوح، مسعفون يركضون بين الركام، وأمهات يتشبثن بأمل ضئيل. هذه الصور أصبحت بمثابة وصيته الأخيرة، ورسالة تقول إن توثيق الحقيقة لا ينطفئ برحيل أصحابها.
لقد أُطفئت عدسته، لكنها تركت أثرًا يتجاوز حياته الشخصية، ليصبح رمزًا لمعاناة الصحفيين في مناطق النزاع، وشاهدًا إضافيًا على ثمن باهظ تدفعه حرية الصحافة في زمن الحرب.



