الأراضي الفلسطينية-بين دخان القصف وأصوات الانفجارات المتواصلة، عاش الصحفيون في غزة خلال عامين من الحرب الإسرائيلية تجربةً تُعد من الأصعب في تاريخ التغطية الميدانية. فقد بات الصحفيون أنفسهم من الضحايا والمستهدَفين، وفقد كثيرون أسرهم وزملاءهم ومنازلهم، فيما واصل آخرون العمل من تحت الركام حاملين كاميراتهم وأقلامهم شهودًا على ما يجري.
ويوثّق مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين (PJPC) شهاداتٍ لعدد من الصحفيين الذين خاضوا هذه التجربة، مسلّطًا الضوء على انتهاكات جسيمة لحقوق العاملين في الإعلام في قطاع غزة.
السويركي: «معركة الصورة» وذكريات الفقد الكبير
الصحفي سائد السويركي (56 عامًا)، مراسل قناة RT Arabic في غزة، يصف الحرب الجارية بأنها الأعنف في سلسلة الحروب على القطاع خلال العقدين الماضيين.
يقول السويركي: “غطّيت جميع الحروب الإسرائيلية السابقة على غزة، وفقدت خلالها عددًا من الزملاء، لكن في هذه الحرب فقدت الكثير من رفاق الميدان الذين تقاسمت معهم الخطر والعمل اليومي”.
ويضيف: “إسرائيل تستهدف الصحفيين لأن المعركة في غزة هي معركة الصورة والمعلومة… لذلك يتواصل قتل الصحفيين في محاولة لإسكات الحقيقة».
ويتابع: «منذ البداية، أدركت إسرائيل أنّ معركة الصورة يجب أن تتفوّق فيها، فسعت لمنع الصحفيين من التغطية، لأنها تعلم أن من يغيّر نظرة العالم هم الصحفيون الفلسطينيون، سواء الأحياء أو أولئك الذين قُتلوا”.
ويشير السويركي إلى خسائر شخصية كبيرة؛ إذ استشهد عدد من أقربائه، بينهم أبناء شقيقته، وقُتل 16 فردًا من أبناء عمه، فيما لا يزال عماد السويركي، زوج شقيقته، مختفيًا قسرًا منذ الأيام الأولى للحرب قرب حاجز نتساريم.
ويوضح أنّ القوة العسكرية الإسرائيلية كانت “مروّعة” ضد المدنيين والنازحين في خيامهم، لافتًا إلى أنّ الصحفيين أصبحوا في دائرة الاستهداف المباشر أثناء التغطية.
ويذكر أن مكتب قناة RT في غزة تعرّض للاقتحام خلال استهداف مجمّع الشفاء الطبي في بداية الحرب، وحُوّل الاستوديو إلى قاعة اجتماعات، قبل أن يُدمَّر المكتب الجديد لاحقًا وتفقد القناة معداتها.
ويقول إنه عمل لأكثر من عام من خيام مخيم الصحفيين في مجمّع ناصر الطبي بخان يونس وسط انقطاع شبه تام للكهرباء والإنترنت: “أي صحفي حول العالم لو عاش الظروف التي عشناها في غزة لن يستطيع العمل لدقيقة واحدة”.
ويؤكد: “تعرّضنا لمخاطر جمّة، بينها سقوط صاروخ قرب فريق RT خلال التغطية، ورغم ذلك رفضت مغادرة القطاع إيمانًا بالرسالة ومع الالتزام بإجراءات السلامة”.
ويختم: “في اليوم الثاني للحرب سقط حزام ناري قرب منزلي في غزة، ما أدى إلى استشهاد عدد من أقربائي. كلّ ذلك لم يُسكت الصوت الفلسطيني”.
العطار: حياة ميدانية قاسية وخسارات متلاحقة
الصحفي عبد الله العطار (26 عامًا)، مصوّر وكالة الأناضول، يروي أن الحرب فتحت أمامه نافذة للاحتراف الميداني: “لم أنم مع أسرتي سوى يومين فقط منذ أن نزحت من رفح إلى مواصي خان يونس، بينما قضيت بقية العامين متأهبًا لتغطية ما يعيشه سكان غزة”.
ويضيف: “فقدت خلال الحرب أعز أصدقائي من الصحفيين: حسن أصليح، معاذ أبو طه، أنس الشريف، ويحيى صبيح. كنا نعمل جنبًا إلى جنب وعشنا لحظات صعبة تحت القصف وبين الدمار”.
ويكشف العطار أنه نجا من الموت ثلاث مرات، لكنه أُصيب بشظايا في الكبد والأمعاء ما زال يعاني منها، ويأمل الحصول على إذن سفر للعلاج بعد موافقة السلطات الأردنية على استقباله ووالديه، إلا أن السلطات الإسرائيلية ما زالت تمنعه من الخروج.
ويتابع: «على مدار العامين افترشنا الطرقات ونمنا على الأرصفة وفي المستشفيات، بلا مأوى ولا حماية. تعرّضنا للقصف المباشر أكثر من مرة لإسكات الصوت الخارج من غزة».
شعث: الحرب سلبت الأحلام وهددت الحياة
بدوره يقول الصحفي خالد شعث (30 عامًا): “الحرب فعلت بنا الكثير على مدار العامين الماضيين. سلبت مني أحلامي وطموحاتي ومنزل عائلتي ومشروع زواجي”.
ويؤكد أنه يعمل على مدار الساعة في توثيق الانتهاكات وإبراز صور الضحايا الذين يتقاطرون إلى المستشفيات بلا توقف، لافتًا إلى تعرضه وزملائه لخطر مباشر في حي الأمل شمال خان يونس الشهر الماضي، حيث أطلقت طائرة إسرائيلية النار عليهم أثناء توثيق الدمار، لكنهم نجوا.
ويصف اغتيال زميلهم حسام المصري، مصوّر وكالة رويترز، بأنه كان “صدمة كبيرة”، إذ كانت خيمته ملاصقة لخيمته وكان رفيقًا يوميًا في الميدان.
ورغم القصف وفقد الأحبة وضياع المأوى، واصل الصحفيون الفلسطينيون حمل الكاميرات والأقلام لتوثيق الوقائع والانتهاكات، مؤكدين أن حماية الصحفيين ليست ترفًا بل التزام قانوني وأخلاقي على المجتمع الدولي، بما يضمن استمرار نقل الحقيقة من قلب الأحداث.



