علي السمودي.. الصحفي الذي أراد الاحتلال إسكاته

في كل صباح، كان الصحفي المخضرم علي السمودي يغادر منزله في مدينة جنين حاملاً كاميرته ودفتر ملاحظاته، مدركًا طبيعة الميدان في الضفة الغربية. أمضى أكثر من ثلاثة عقود بين رصاص الاحتلال وغبار المداهمات، يوثّق لحظات التوتر والدم في شوارع المخيمات، وينقل للعالم واقع الفلسطينيين من قلب الأحداث.

في أواخر أبريل/نيسان الماضي، تغير المشهد. داهمت قوات الاحتلال منزله واعتقلته أمام أسرته، ونُقل إلى سجن “ميغيدو” دون توجيه تهمة محددة، تحت ذريعة “ملف سري”. ومنذ ذلك الحين، يقبع السمودي في الاعتقال الإداري، دون محاكمة، في واحدة من حالات استهداف الصحفيين الفلسطينيين.

من الميدان إلى الزنزانة

السمودي، البالغ من العمر 52 عامًا، بدأ عمله الصحفي في تسعينيات القرن الماضي، وغطى أحداث الانتفاضتين وعددًا من الاجتياحات الإسرائيلية لمدينة جنين. أصيب سابقًا برصاص الاحتلال أثناء تغطيته لأحداث مخيم جنين عام 2002، ثم واصل عمله كمراسل ميداني لعدة وكالات عربية ودولية، من بينها قناة الجزيرة، وأصبح مرجعًا محليًا في توثيق الانتهاكات الإسرائيلية شمال الضفة الغربية.

يقول أحد زملائه لمركز حماية الصحفيين الفلسطينيين (PJPC): “علي كان أول من يصل إلى الحدث وآخر من يغادره. كان يوثق الحقيقة بعدسته، وكان يعرف المخاطر المرتبطة بعمله في فلسطين.”

سياسة استهداف الصحافة

اعتقال السمودي ليس حالة فردية، بل جزء من سياسة متبعة ضد الصحفيين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
بحسب رصد مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين، تحتجز إسرائيل حاليًا أكثر من 22 صحفيًا فلسطينيًا، بينهم أكثر من 15 رهن الاعتقال الإداري دون توجيه تهم رسمية، في مخالفة للقانون الدولي.

وفقًا لإحصاءات نقابة الصحفيين الفلسطينيين، اعتقل الاحتلال منذ أكتوبر 2023 أكثر من 90 صحفيًا، أغلبهم لفترات قصيرة قبل الإفراج عنهم، بينما لا يزال آخرون محتجزين بذريعة “التحريض” أو “تهديد الأمن”. وتعد إسرائيل من بين الدول التي تحتجز أكبر عدد من الصحفيين الفلسطينيين، وفق تصنيف لجنة حماية الصحفيين الدولية لعام 2025.

الاعتقال الإداري.. غياب الإجراءات القضائية واستهداف الكلمة

الاعتقال الإداري، وهو إجراء تستخدمه سلطات الاحتلال ضد الفلسطينيين منذ عقود، يتيح حبس أي شخص لفترات مفتوحة دون محاكمة أو تهمة، بناءً على “معلومات سرية”.

في حالة الصحفيين، يتحول هذا الإجراء إلى أداة تؤثر على حرية التعبير. ينص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (المادة 19) على حق كل شخص في حرية الرأي والتعبير، كما تنص اتفاقية جنيف الرابعة (المادة 79) على وجوب حماية الصحفيين أثناء النزاعات المسلحة. ومع ذلك، تتعامل السلطات الإسرائيلية أحيانًا مع الصحفي الفلسطيني باعتباره “خصمًا سياسيًا” لا كمراسل مهني.

تقول المحامية ريهام نصّار، المتابعة لقضية السمودي: “الاعتقال الإداري يُستخدم لإيقاف الصحفيين عن العمل الميداني، وبالتالي يُقيّد نقل الصورة والكلمة معًا.”

السمودي.. التوثيق مستمر رغم القيود

رغم الاعتقال، لا يزال اسم علي السمودي حاضرًا في شوارع جنين ومخيمها، كرمز للصحفي الذي يوثق الأحداث. كتب أحد زملائه على جداره في الميدان: “من أراد أن يعرف ثمن الكلمة في فلسطين، فليسأل علي السمودي.”

وبينما يستمر اعتقال الصحفيين الفلسطينيين، تبقى الكاميرات والأرشيف الإعلامي شاهدًا على أن حرية التعبير في فلسطين تتعرض للقيود، لكنها تظل قائمة من خلال التوثيق الصحفي المستمر.