بين موج البحر ولهيب القصف.. انتهت قصة مصور غزي أراد أن يوثق ما يجري

على شاطئ غزة، حيث يلتقي زرقة البحر مع سماء مثقلة بالدخان، جلس إسماعيل أبو حطب ذات يوم يراجع صوره. كان يرى في البحر نافذة تطل على العالم، عبرها يمكن نقل صورة مدينة محاصرة من البر والجو.

كتب في إحدى المرات: “بين السماء والبحر، يعيش شباب غزة رغم الظروف”. كان يصور الأطفال الذين وجدوا في الرمل متنفسًا وسط النزوح وفي الأمواج مهربًا من القصف. لم يكن يدرك أن الموجة الأخيرة التي سيشهدها ستكون موجة من نيران، لا من ماء.

في نفس المكان الذي صنع فيه حكاياته المصورة، أودى صاروخ إسرائيلي بحياة أبو حطب بينما كان يحتمي في كافتيريا بسيطة على الشاطئ. توقفت الكاميرا عن العمل، لكن صوره ستظل شاهدة على الواقع.

كان أبو حطب مصورًا صحفيًا معروفًا في غزة، عمل على توثيق النزوح القسري والمعاناة الإنسانية خلال الحرب المستمرة منذ 21 شهرًا. قُتل في المكان الذي شكّل محور معرضه الفوتوغرافي “ما بين السماء والبحر”، الذي عُرض في لوس أنجليس بهدف نقل صورة الحياة تحت الحصار والقصف.

كتب أبو حطب في منشور سابق على فيسبوك في 10 مايو/أيار: “بين السماء والبحر، يجرؤ شباب غزة على العيش”، في رسالة تظهر تفاصيل الحياة اليومية رغم الحرب.

استهداف متكرر للصحفيين

يرفع مقتل أبو حطب عدد الصحفيين الفلسطينيين الذين قتلوا في غزة منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 228، وفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة. وتشير لجنة حماية الصحفيين الفلسطينيين إلى أن الصراع في غزة يعد من أكثر النزاعات دموية للصحفيين في العصر الحديث.

في تقرير صدر في 3 مايو/أيار، أكدت اللجنة أن “استهداف الصحفيين في غزة بات منهجيًا مع إفلات كامل من العقاب”، مطالبة بفتح تحقيقات دولية مستقلة في الهجمات على الإعلاميين.

العمل الصحفي في ظل القصف

في منشور بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة هذا العام، كتب أبو حطب: “في غزة تُستهدف الكاميرا، وتقصف الكلمة، والسترة الواقية لا تحمي من الصواريخ… أُسكتت العدسة، لكن الحقيقة لا تزال تُكتب على الركام”.

بعد إصابته بجروح خطيرة في نوفمبر/تشرين الثاني أثناء توثيقه قصف برج الغفري، عاد أبو حطب لاستكمال مشروعه الفوتوغرافي وتوثيق الحياة تحت القصف.

كان من المقرر أن يدير ورشة تدريبية حول الأمان الرقمي للصحفيين المحليين هذا الأسبوع، قبل أن يُقتل في حادثة استهداف جديدة للإعلاميين، حسب ما أفاد المحامي الحقوقي عبد الله شرشرة.

معرض يوثق الواقع

معرض “ما بين السماء والبحر”، الذي نظمه أبو حطب بالتعاون مع منصة By Palestine، عرض عشرات الصور التي توثق الحياة في مخيمات النزوح على شاطئ غزة، والأطفال الذين تأثرت طفولتهم بالحصار، والمنازل التي تحولت إلى ملاجئ مؤقتة.

وصف أبو حطب المعرض قائلاً: “في كل صورة روح، وفي كل صوت داخل الخيمة ذاكرة، وفي كل تفصيلة نبض غزة”.

برحيل المصوّر الصحفي إسماعيل أبو حطب، لا يغيب فقط وجه كان يوثّق الوجع بعدسته، بل يغيب قلب ظل نابضًا بالحقيقة وسط الركام. حمل كاميرته بين القصف ليحكي قصة شعب محاصر، وترك وراءه أرشيفًا بصريًا يُجسّد وجع غزة وصمودها، وشهادة لن تُمحى على ثمن الكلمة والصورة في زمن حرب الإبادة الجماعية.